لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب؟ وماذا يعني ذلك للأسعار

اعتدنا أن نربط شراء الذهب بالعائلات والعرائس وصغار المدخرين، لكن بعضاً من أكبر المشترين في السنوات الأخيرة كانوا البنوك المركزية نفسها. فبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، تجاوزت مشترياتها 1,000 طن في كل عام من الأعوام 2022 و2023 و2024، وهي وتيرة قياسية.
في هذا المقال تتعرف إلى سبب احتفاظ الدول بالذهب أصلاً، وكيف تحولت البنوك المركزية من البيع إلى الشراء، والأسباب التي تُذكر عادة لهذا الإقبال، وأثره في الأسعار، وما الذي يمكنك أن تتعلمه منه وما الذي لا ينطبق عليك.
الذهب في احتياطيات الدول
تحتفظ البنوك المركزية باحتياطيات من العملات الأجنبية والسندات والذهب لدعم عملاتها ومواجهة الأزمات والوفاء بالتزامات الدولة الخارجية. ويصنّف صندوق النقد الدولي «الذهب النقدي» ضمن الأصول الاحتياطية الرسمية، إلى جانب العملات الأجنبية وحقوق السحب الخاصة.
وتُقدَّر حيازات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية بأكثر من 35 ألف طن، أي نحو سدس كل الذهب المستخرج عبر التاريخ، بحسب تقديرات مجلس الذهب العالمي. وجزء كبير من هذه الكميات إرث من عصر قاعدة الذهب، حين كانت العملات مغطاة بالمعدن الأصفر.
وتتفاوت حصة الذهب من الاحتياطيات كثيراً بين الدول؛ ففي بعض الاقتصادات الغربية الكبرى يتجاوز الذهب نصف الاحتياطيات، بينما بقيت حصته في كثير من الاقتصادات الناشئة أقل بكثير، وهو فارق يُذكر كثيراً عند تفسير إقبال هذه الدول على الشراء.
من البيع إلى الشراء: كيف تغيّر المشهد؟
لم تكن البنوك المركزية دائماً في صف المشترين. ففي التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة باعت بنوك مركزية أوروبية كميات كبيرة، حتى وقّع عدد منها عام 1999 اتفاقاً يحد من مبيعاتها كي لا تضغط على السوق.
تغيّر الاتجاه بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، فأصبحت البنوك المركزية مجتمعة مشترية صافية للذهب كل عام منذ 2010. ثم تسارع الشراء بشكل لافت: فبحسب مجلس الذهب العالمي تجاوزت المشتريات 1,000 طن سنوياً في 2022 و2023 و2024، أي نحو ضعف المستوى المعتاد في العقد السابق. وجاء معظم هذا الطلب من بنوك مركزية في اقتصادات ناشئة في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.
ولا تُعلن كل المشتريات فوراً أو بالتفصيل، لذلك تتضمن أرقام المجلس جزءاً تقديرياً لمشتريات غير مُعلنة. ولمعرفة أحدث الأرقام وقت قراءتك، راجع تقرير «اتجاهات الطلب على الذهب» الذي يصدره المجلس كل ربع سنة.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب؟
لا تشرح البنوك المركزية دوافعها دائماً بالتفصيل، لكن الأسباب التي تتكرر في تصريحاتها وفي الاستطلاع السنوي الذي يجريه مجلس الذهب العالمي بين البنوك المركزية تشمل:
- التنويع بعيداً عن الدولار: أكثر من نصف احتياطيات العملات الأجنبية في العالم مقوَّم بالدولار وفق بيانات صندوق النقد الدولي، والذهب يقلل الاعتماد على عملة واحدة واقتصاد واحد.
- مخاطر العقوبات: بعد تجميد جزء كبير من الاحتياطيات الأجنبية لاقتصاد كبير عام 2022، زاد اهتمام دول عدة بأصل يمكن حفظه داخل حدودها بعيداً عن الأنظمة المالية لدول أخرى.
- غياب مخاطر التعثر: السند وعد بالدفع من حكومة أو مؤسسة، أما الذهب فليس ديناً على أحد، فلا يوجد مُصدر قد يعجز عن السداد.
- الثقة والأداء في الأزمات: يميل الذهب إلى الحفاظ على قيمته في فترات الاضطراب، ووجوده في الميزانية يعزز الثقة بالعملة والنظام المالي.
- مخزن طويل الأجل للقيمة: لا تستطيع أي دولة طباعته أو زيادة كميته بقرار.
كما نقلت بعض البنوك المركزية في السنوات الأخيرة جزءاً من ذهبها المحفوظ في خزائن خارجية إلى داخل بلادها، وهو اتجاه يرتبط بالدوافع نفسها، خاصة الرغبة في السيطرة المباشرة على أصولها.
كيف يؤثر شراء البنوك المركزية في سعر الذهب؟
لتتخيل حجم هذا الطلب، إليك حساباً بسيطاً بسعر افتراضي للأونصة (مثال توضيحي):
| البند | القيمة التقريبية |
|---|---|
| مشتريات سنوية | 1,000 طن |
| ما يعادلها بالأونصات | نحو 32.15 مليون أونصة |
| قيمتها بسعر افتراضي 4,000 دولار للأونصة | نحو 129 مليار دولار |
| قيمتها بالدرهم (3.6725 درهم للدولار) | نحو 472 مليار درهم |
| نسبتها من إنتاج المناجم السنوي (نحو 3,600 طن) | أكثر من الربع |
وشكّل هذا الطلب نحو خُمس الطلب العالمي على الذهب في تلك السنوات وفق أرقام المجلس. والأهم من حجمه طبيعته: فالبنوك المركزية تشتري عادة بانتظام ولأهداف بعيدة المدى، ولا تسارع إلى البيع حين يرتفع السعر، على عكس الطلب على المشغولات الذي يتراجع غالباً عندما ترتفع الأسعار بقوة.
ويرى كثير من المحللين أن هذا الطلب كان من أهم أسباب صمود الذهب ثم بلوغه مستويات قياسية رغم ارتفاع الفائدة الأمريكية، وهي مفارقة يشرحها مقال أسعار الفائدة والذهب. لكن شراء البنوك المركزية لا يمنع التراجعات؛ فالسعر قد ينخفض بحدة خلال أسابيع بسبب الدولار أو الفائدة أو جني الأرباح، كما تبيع بعض البنوك المركزية أحياناً لدعم عملتها أو لتوفير السيولة. وهو في النهاية عامل واحد من العوامل التي تحرّك سعر الذهب عالمياً.
ماذا يعني ذلك لك كمشترٍ في الخليج؟
من المغري أن تقول: «ما دامت البنوك المركزية تشتري، فسأشتري أنا أيضاً». لكن ظروفها تختلف كثيراً عن ظروف الفرد:
| الجانب | البنك المركزي | المشتري الفرد |
|---|---|---|
| الهدف | تأمين الاحتياطيات وتنويعها | الادخار أو الزينة أو مناسبة كالزواج |
| الأفق الزمني | عقود | قد يحتاج المال خلال سنوات قليلة |
| شكل الذهب | سبائك كبيرة تزن الواحدة نحو 400 أونصة، أي قرابة 12.4 كيلوجرام | مشغولات أو سبائك وعملات صغيرة |
| التكلفة | قريبة من السعر العالمي | مصنعية وفارق بين سعري البيع والشراء، وضريبة على المشغولات |
| حصة الذهب | جزء من الاحتياطيات لا كلها | يحددها وضعك المالي وأهدافك |
- شراء البنوك المركزية عامل داعم على المدى الطويل، لكنه لا يضمن ارتفاع السعر ولا يحميك من تقلباته.
- إذا كان هدفك الادخار فانتبه إلى التكلفة؛ فالفرق بين السبائك والمشغولات في المصنعية وقيمة إعادة البيع كبير.
- خذ من منطق البنوك المركزية فكرة التنويع: الذهب عندها جزء من محفظة أوسع، لا الاحتياطي كله.
هذه معلومات عامة وليست نصيحة استثمارية أو توصية بشراء الذهب أو بيعه.
أسئلة شائعة
هل يعني شراء البنوك المركزية أن سعر الذهب سيرتفع؟
لا. هذا الشراء يدعم الطلب، لكنه واحد من عوامل كثيرة، وقد يتراجع السعر رغم استمراره إذا قوي الدولار أو ارتفعت الفائدة الحقيقية أو باع المستثمرون. كما أن وتيرة شراء البنوك المركزية نفسها قد تتغير من عام لآخر.
كيف نعرف كمية الذهب التي تشتريها البنوك المركزية؟
تُبلغ كثير من البنوك المركزية صندوق النقد الدولي بحيازاتها بانتظام، ويجمع مجلس الذهب العالمي هذه البيانات ويضيف إليها تقديرات للمشتريات غير المعلنة، وينشر النتائج في تقاريره الفصلية. لذلك قد تُراجع الأرقام لاحقاً مع ظهور بيانات جديدة.
هل يمكن أن تبيع البنوك المركزية ذهبها فينخفض السعر؟
هذا ممكن وقد حدث، كما في موجة المبيعات الأوروبية في التسعينيات. لكن البيع الرسمي يتم عادة بشكل تدريجي، وغالباً ما يُعلن أو يظهر في البيانات، وبعض البنوك تبيع لأسباب محلية كدعم العملة دون أن يغيّر ذلك بالضرورة الاتجاه العام.
أصبحت البنوك المركزية لاعباً رئيسياً في سوق الذهب، وفهم دوافعها يساعدك على قراءة الأخبار بهدوء، لكن قرارك يجب أن ينطلق من أهدافك أنت لا من أهدافها.