أحكام شراء الذهب في الإسلام: التقابض والتقسيط واستبدال القديم

أحكام شراء الذهب في الإسلام: التقابض والتقسيط واستبدال القديم
الصورة: David Rodrigo / Unsplash

يدخل كثيرون محل الذهب وفي أذهانهم أسئلة لا تتعلق بالسعر وحده: هل يجوز الدفع بالبطاقة؟ وما حكم الشراء بالتقسيط أو حجز القطعة بعربون؟ وكيف أبدّل ذهبي القديم بقطعة جديدة دون مخالفة شرعية؟

يشرح هذا المقال الأصل الذي تقوم عليه هذه المسائل، ثم يعرض الأقوال المشهورة فيها بحياد. وهو لا يصدر فتوى، فلكل حالة تفاصيلها، والمرجع فيها عالم تثق به أو جهة الفتوى الرسمية في بلدك.

الأصل: حديث «مثلاً بمثل، يداً بيد»

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».

ويستخرج العلماء من الحديث قاعدتين واضحتين:

  • إذا بيع ذهب بذهب: يُشترط التساوي في الوزن («مثلاً بمثل») والتسليم في المجلس نفسه («يداً بيد»)، ولا يبيح اختلاف الجودة أو الصنعة الزيادة في أحد الطرفين عند جمهور الفقهاء.
  • إذا اختلف الجنس، كذهب بفضة: تجوز المفاضلة في الكمية، ويبقى شرط التسليم في المجلس.

ويرى جمهور العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية أن النقود الورقية كالدرهم والريال تأخذ حكم الذهب والفضة في هذا الباب. فشراء الذهب بالمال من باب «اختلاف الأصناف»: لا يُشترط فيه التساوي، لكن يُشترط فيه التقابض.

التقابض عند شراء الذهب بالمال

التقابض أن يستلم المشتري الذهب، ويستلم البائع الثمن كاملاً، في مجلس العقد قبل أن يتفرقا. فإذا دفعت ثمن السوار كاملاً وخرجت به من المحل، تحقق الشرط دون إشكال.

الدفع بالبطاقة والتحويل

يعدّ كثير من العلماء المعاصرين الدفع ببطاقة الخصم المباشر، التي يُقتطع مبلغها من الحساب فوراً، في حكم القبض. أما البطاقة الائتمانية ففيها نقاش أوسع: فمنهم من يجيز الشراء بها لأن البنك يلتزم بالدفع للتاجر في الحال، ومنهم من يمنع شراء الذهب بها لأن المشتري يسدد لاحقاً. ويُلحق كثيرون التحويل الفوري الذي يصل إلى البائع في المجلس ببطاقة الخصم المباشر.

حجز القطعة بدفعة مقدمة

من الصور الشائعة أن يدفع المشتري جزءاً من الثمن ويترك القطعة في المحل حتى يكمل الباقي. ويرى كثير من أهل العلم أن ذلك لا يتفق مع شرط التقابض إذا كان بيعاً تاماً، ويذكر بعضهم بديلاً بأن يكون الاتفاق وعداً غير ملزم، ثم يُعقد البيع عند دفع الثمن كاملاً واستلام القطعة.

شراء الذهب بالتقسيط

يرى جمهور الفقهاء، وتأخذ به كثير من جهات الفتوى المعاصرة، أن بيع الذهب بثمن مؤجل أو مقسط لا يجوز لأنه يخالف شرط «يداً بيد». وذهب بعض العلماء إلى جواز بيع الحلي المصوغ بالأجل، بحجة أن الصنعة أخرجته من كونه نقداً إلى كونه سلعة، وهو قول أقل انتشاراً.

ويشمل هذا النقاش خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» التي تقدمها بعض المتاجر الإلكترونية، فهي في حقيقتها تأجيل للثمن، لذلك اسأل عن حكمها قبل استخدامها في شراء الذهب. ومن الناحية المالية قد تضيف خطط التقسيط رسوماً ترفع الكلفة، فقارن المبلغ النهائي بالسعر النقدي. وهذه معلومات عامة وليست نصيحة مالية.

شراء الذهب عبر الإنترنت

تكمن المسألة هنا في التوقيت: يُدفع الثمن غالباً عند الطلب، بينما يصل الذهب بعد أيام، فيتأخر قبض أحد البدلين. ومن الحلول التي يذكرها أهل العلم:

  • الدفع عند الاستلام: أن يكون الطلب عبر الموقع حجزاً أو وعداً، ويتم البيع والدفع عند تسلّم القطعة.
  • القبض الحكمي: يرى بعض العلماء أن تعيين ذهب محدد باسم المشتري مع مستند يثبت ملكيته، أو حفظه لحسابه لدى جهة تخزين، قد يقوم مقام القبض، وتختلف الأنظار في تطبيق ذلك على منصات «الذهب الرقمي».

وقبل الشراء من أي منصة اقرأ شروطها: متى يصبح الذهب ملكك؟ هل هو محدد ومخزّن باسمك؟ وهل لديها هيئة رقابة شرعية معلنة؟ ثم اعرض التفاصيل على من تستفتيه.

استبدال الذهب القديم بالجديد

الصورة الشائعة أن تعطي المحل ذهبك القديم وتدفع الفرق مقابل قطعة جديدة. والإشكال عند جمهور الفقهاء أن هذه مبادلة ذهب بذهب مع زيادة، والحديث يشترط التساوي في الوزن، ولا يرون حداثة التصميم أو جودة الصنعة مبرراً للفرق.

لذلك يرشد العلماء إلى إتمام العملية في صفقتين منفصلتين: تبيع القديم بالمال وتقبض ثمنه، ثم تشتري الجديد بالمال. ويستندون إلى حديث في الصحيحين أرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم من كان يبادل التمر الرديء بالجيد متفاضلاً إلى أن يبيع الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم التمر الجيد. ويؤكد كثير منهم أن تكون البيعة الأولى مستقلة فعلاً، فلا يُشترط عليك الشراء من المحل نفسه.

مثال توضيحي بأرقام افتراضية

الخطوةالتفاصيلالمبلغ
1. بيع الذهب القديم30 جراماً من عيار 21 × 300 درهم (سعر الشراء لدى المحل)تستلم 9,000 درهم
2. شراء القطعة الجديدة25 جراماً من عيار 21 × 330 درهماً + مصنعية 1,000 درهمتدفع 9,250 درهماً
المحصلةالفرق بين الصفقتين250 درهماً

الأرقام للتوضيح فقط ولا تشمل ضريبة القيمة المضافة. ومن فوائد الفصل العملية أنك ترى سعر ذهبك القديم بوضوح، فتقارنه بعروض محلات أخرى كما نشرح في مقال بيع الذهب المستعمل: كيف تحصل على أفضل سعر؟، وتقارن القطعة الجديدة بعد أن تفهم المصنعية في الذهب وأثرها على السعر.

خلاصة عملية قبل الشراء

  1. اطلب فاتورة مفصلة تبيّن الوزن والعيار وسعر الجرام والمصنعية والضريبة.
  2. ادفع الثمن كاملاً واستلم القطعة في المجلس نفسه، نقداً أو ببطاقة خصم مباشر.
  3. عند تبديل القديم، بِعه أولاً بفاتورة مستقلة واقبض ثمنه، ثم اشترِ.
  4. لا تستخدم التقسيط أو العربون أو خدمات الدفع اللاحق في شراء الذهب قبل أن تسأل عن حكمها.
  5. في الشراء الإلكتروني فضّل الدفع عند الاستلام، أو تحقق من آلية تملّك الذهب وتخزينه.
  6. اعرض حالتك على عالم تثق به أو على جهة الفتوى الرسمية، مثل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أو الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية.

أسئلة شائعة

هل يجوز شراء الذهب ببطاقة الائتمان؟

المسألة محل خلاف بين العلماء المعاصرين: فمنهم من يجيزها لأن البنك يدفع للتاجر فوراً فيتحقق القبض، ومنهم من يمنعها لأن المشتري يسدد لاحقاً. أما بطاقة الخصم المباشر فأقرب إلى القبول عند كثيرين، والفصل في ذلك لجهة الفتوى التي تتبعها.

هل يجوز حجز قطعة ذهب بعربون؟

يرى كثير من أهل العلم أن دفع جزء من الثمن وتأجيل الباقي لا يتفق مع شرط التقابض، ويذكر بعضهم بديلاً هو أن يكون الاتفاق وعداً غير ملزم، ثم يتم البيع ويُدفع الثمن كاملاً عند الاستلام.

هل تختلف الأحكام بين السبائك والمشغولات؟

يسري شرط التقابض عند جمهور الفقهاء على الذهب كله، سبائك كان أو مشغولات. أما الخلاف في اعتبار الحلي المصوغ سلعة فيخص المشغولات وحدها، ولا يشمل السبائك والعملات الذهبية.

فهم الأصل في حديث «يداً بيد» يجعل كثيراً من مسائل الشراء أوضح، ويساعدك على طرح السؤال المناسب قبل أن تدفع. ولمعرفة حكم الزكاة فيما تملكه من حلي اقرأ مقال زكاة الحلي الملبوس.

مقالات ذات صلة